خوض ثورة التغيير الديمقراطي الى النهاية PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب د. فواز طرابلسي   
الأحد, 29 مايو 2011 00:00

اكتب لتهنئة اسرة موقع «جمول» بمناسبة الذكرى الخامسة على اطلاقه. وتلبية لطلب الاسرة كتابة نص في هذه المناسبة، هذه بعض الملاحظات تتعلق بقضية «المقاومة الوطنية » وموقعها من سائر مهمات مشروع التغيير المجتمعي في لبنان.

١. كانت المقاومة المسلحة للاحتلال الاسرائيلي، التي اطلقها الحزب الشيوعي اللبناني

ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان وحزب العمل الاشتراكي العربي، في 16 ايلول 1982، والتي اتشرّف بأني كنت في عداد القيادة التي اعدّتها وقادتها فترة من الزمن، كانت هذه المقاومة - متجسدة في «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» - وسيلة نضالية لها هدف محدد هو مقاومة الاحتلال الاسرائيلي الى حين تحرير الاراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب والبقاع الغربي. ولم يكن يخطر في بالنا آنذاك ان هذه المهمة النضالية تختزل مهمات الشيوعيين واليساريين، وانما ظللنا نقرنها بالنضال من اجل التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي الشامل للنظام اللبناني كما صيغ في البرنامج المرحلي للاصلاح السياسي الذي اطلقته الحركة الوطنية اللبنانية في آب 1976.

٢. ان اسوأ ما قد يبتلي به شيوعيون ويساريون في هذه الآونة هو التشبّث بموضوع لا ينتهي فيه البحث عن اسباب عدم استمرار اليسار في المقاومة والتعاطي مع الموضوع وكأنه مشكلة حاضرة فيها هو مشكلة تنتمي الى الماضي ويجب تصفية الحساب معها. يمكن اجمال خلاصة العوامل التي ادت باليسار الى الانسحاب التدريجي من المقاومة الوطنية المسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي في سنواتها الاخيرة بالآتي:

- الوهن العسكري والتعبوي والسياسي الذي فرضته سنوات من الانخراط في الاقتتال الاهلي على الشيوعيين واليساريين؛

- آثار انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة السوفييتية؛

- قرار النظام السوري الانتقال الى مرحلة جديدة في علاقته بالمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال، هي مرحلة الاشراف المباشر عليها من خلال الاعتماد على طرف واحد هو المقاومة الاسلامية واستبعاد الاطراف الاخرى، واليسار منها خصوصا ولكن ليس حصرا.

إن الاستمرار في جلد الذات حول هذا الموضوع، وفي الندب بأن ثمة من سرق هذا الدور من اليسار، بعد اكثر من عقدين من الزمن، يعطل قدرات اليساريين على ادراك متغيرات الوضع في لبنان والمنطقة، وتعيين خصوصيات اللحظة التاريخية الراهنة ومهامها والتخطيط لدور محفّز ومتجدد لليسار في معارك التغيير المجتمعي الشاملة.

٣.  إنتقلت المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي للارض اللبنانية من المقاومة الى التحرير عندما اضطرت القوات الاسرائيلية الى الانسحاب من الشريط المحتل - باستثناء مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا - عام 2000 وبإتمام مهمة التحرير الوطني، انتقلت المهمة النضالية المسلحة فيما يتعلّق بالعدو الاسرائيلي الى الدفاع الوطني. ان تأكيد هذه الحقيقة لا ينتقص بشيء من اهمية انتصار في تموز 2006 بل يستظهره ويعطيه كامل معانيه. وليس من قبيل الصدفة ان يكون حزب الله قد إلتزم منذ ذلك الحين بحصر نطاق عملياته العسكرية في نطاق الاراضي اللبنانية. اما استمراره في تكرار ترسيمة «المقاومة» فقد باتت تسمية من دون دور، اللهم الا اذا كانت التسمية تريد اعلان الانضمام الى كتلة القوى المناهضة للحلول الاستسلامية للصراع العربي الاسرائيلي. وهذا في كل الاحوال معنى آخر للمقاومة ينتمي الى مجال الدعم والتضامن اكثر منه الى مجال الفعل العسكري على ارض لبنان.

٤. يقتضي وفاء الشيوعيين واليساريين لتجربة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية-جمول » والاهمية التي يولونها للدفاع عن لبنان ضد العدوانية الاسرائيلية المستمرة، الدفاع الصريح عن حق حزب الله في سلاحه لسببن رئيسيين. الاول، حق حزب الله في  الدفاع بكل الوسائل عن امنه وامن اعضائه ضد المحاولات الاسرائيلية التي تتحيّن الفرص لاغتيال قياداته وكوادره وعناصره. وهذا في وضع لا يختلف اثنان على أن قوى الامن اللبنانية ليست قادرة على ان تتولى هذه المهمة بعد. والسبب الثاني هو ان الجهاز العسكري لحزب الله يملك من الخبرات في المقاومة ومن العتاد والسلاح ما يجعله القوة الرئيسية للدفاع الوطني في لبنان، جنبا الى جنب مع الجيش. في الوقت ذاته، لا يتعارض الدفاع عن حق حزب الله في سلاحه مع الادانة الواضحة لكافة انواع استخدامه ذلك السلاح في النزاعات الداخلية، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

٥. ان العلاقة بين اليسار وحزب الله تنتهي عند هذا الحد. بل ان حظ اليسار في ان يجدد نفسه ويستعيد رؤياه ومشروعه المجتمعي ويبني قواه، وقوى التغيير في لبنان، باتت كلها مرهونة في قدرته على ان يتمايز فكريا ومشروعا وبرنامجا ووسائل عن التيارين الشعبويين، والشعبيين، الفاعلين في اوساط واسعة من الجماهير اللبنانية: حزب الله والتيار الوطني الحر. وما دمنا في صدد البحث في المقاومة، يمكن اقتصار البحث على الطرف الاول. ان حزب الله، بعد اتفاق الدوحة خصوصا، بات جزءا من النظام الطوائفي اللبناني، وهو لم يقدّم حتى الان في المجال الاقتصادي والاجتماعي ما يختلف على نحو ملحوظ عن المشروع الاقتصادي النيوليبرالي للرئيس رفيق الحريري واستمراره في حكومات الاكثرية السابقة مع الرئيس فؤاد السنيورة. من هنا ان  التضامن مع حزب الله من حيث حقه في سلاحه يستوجب النقد المستمر لاديولوجيته وسياساته الاقتصادية والاجتماعية. وهذه مهمة تبدأ بنقد نظريته عن «التوافقية الطوائفية» وملامح النيوليبرالية في سياسياته الاقتصادية ولا تنتهي مع حق سياسات «التوزيع الطوائفي» للتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والإحسان، على اعتبارها عند حزب الله، مثلما هي عند سائر الطوائف، وسائل حرمان المواطنين من حقوقهم الاجتماعية وتحويلها الى منّات وصدقات يتصدق بها عليهم زعماء الطوائف. ولما كانت هذه السياسات كلها تطبق بإسم «المقاومة» وجب على المقاومين اليساريين التبرؤ منها بإعلاء الصوت ضد استخدام تراث وتاريخ وسمعة المقاومة لتجديد النظام الطوائفي وتزكية النيوليبرالية او التغطية عليها.

٦. من يرد من الشيوعيين واليساريين او من سائر اللبنانيين تلخيص مساهمته النضالية في الدفاع الوطني، بمعناه العسكري الشعبي المسلّح، له ان يلتحق بالمقاومة الاسلامية او ان يعمل على تكوين تشكيل مسلح خاص به. ولما كان يوجد بين العناصر المنشقة اخيرا عن الحزب الشيوعي اللبناني من يعمل في هذا الاتجاه، فيمكنه الانخراط فيه. اما من يرد احياء ذكرى هذا الدور المجيد للشيوعيين واليساريين في النضال الوطني اللبناني المعاصر، بما هو مرحلة متأقلة في تاريخهم، فإنه يستطيع المساهمة في تلبية حاجة ملحّة لم يجر تحقيقها الى الآن وهي تدوين وأرشفة وتسجيل شهادات كل ما يتعلّق بدور شهداء ومقاومي ومناضلي واسرى «جمول» إبتداءً من العام 1982، بل يستطيع ان يعود الى دور الشيوعيين واليساريين في هذا المضمار منذ العام 1969 ، اي من دور «قوات الانصار» وصولا الى دور الشيوعيين واليساريين، وسائر القوى الوطنية والقومية، في «القوات المشتركة» في صد غزوة العام 1978 وصولا الى مقاومة اجتياح العام 1982. ان هذه مهمة نضالية بالغة الاهمية، خصوصا ان حزب الله يعمل باستمرار الى طمسها في إعلامه المرئي والمسموع وفي افلامه.

٧. إن الوفاء لتجربة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» في هذه اللحظة التاريخية يعني بالنسبة لي الانتقال من «المقاومة» الى «التغيير» على الجبهة الداخلية. وهذا يعني انخراط اليساريين في الانتفاضات العربية الراهنة من اجل دفع ثورة التحويل الديمقراطي عربيا ومحليا الى نهاياتها. وهذا يملي عددا من المهمات منها:

- الدفاع عن الانتفاضات الراهنة ضد قوى الثورة المضادة التي تريد حصرها باستبدال حاكم بآخر مع الابقاء على مؤسسات الاستبداد والتبعية، ومنع المسائلة والمحاسبة عن مسؤولية الحكام المخلوعين عن النهب والقتل والقمع.

- تمييز التغيير الديمقراطي عن الليبرالية السياسية - في نسختها الاميركية - المقتصرة على التعددية السياسية والاعلامية - بدفع عملية التحويل الديمقراطي الي مداها من حيث استبدال مؤسسات القمع ودساتيره بدساتير وتشريعات ومؤسسات الديمقراطية المدنية القائمة على المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين، وتكريس حرياتهم وحقوقهم في مؤسسات وتشريعات، وتجسيد الارادة الشعبية في اختيار الشعب حكامه ومحاسبتهم ومحاكمتهم واستبدالهم عند الضرورة في نظام سياسي برلماني قائم على  استقلال السلطات ولكن على اولوية السلطة التشريعية.

- الى هذه المهمات تضاف المهمة المركزية الخاصة باليساريين وهي النضال للدفاع عن حقوق الطبقات الشعبية في عملية التحويل الديمقراطي عن طريق اغناء وتحصين هذا التحويل الديمقراطي السياسي والقانوني بمدّه بمضمونه الاجتماعي اي بالعدالة والمساواة الاجتماعيتين.

هذا يعني في لبنان، الخروج من صبيانية الوهم بأن عددا من التظاهرات باتت تكفي لاسقاط نظام سياسي-اقتصادي-اجتماعي برمتّه، والتخلي عن عبثية الابحاث الدائرة الآن في اوساط الناشطين تحت شعار «الشعب يريد» عن اي مؤسسة من النظام اللبناني يجب اسقطاها اولا، والالتفات الى ان تغيير النظام اللبناني، الطوائفي والطبقي، يستوجب قبل اي شيء آخر بناء قوى التغيير. ولا سبيل لذلك غير خوض كافة النضالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، على اختلاف وتائرها وحظوظها من الانجاز. ففي خضم هذه النضالات سوف تبنى وتتبلور ارادة ووحدة الفئات والقوى المتضررة من هذا النظام للعمل على تغييره.

التعليقات (2)add comment

شهاب جراده said:

0
chehabjeradeh@hotmail.com
بناء قوى التغيير لا يتحقق الا من خلال نشر ثقافة المساءلة والمحاسبة على كل الصعد... ومن خلال العمل على ان يكون المسؤول مسؤولا فعلا، وان يكون بالقانون ذا مصلحة في حل مشاكل المجتمع
 
سبتمبر 17, 2011
أصوات: +0

شهاب جراده said:

0
chehabjeradeh@hotmail.com
المشكلة ليست فقط في ان بشير (وغيره) كان عميلا (وسارقا ومجرما وازعرا...الخ)، بل المشكلة الاكبر في ان "الشعب اللبناني" لديه ازدواجية في المعايير... ولا يسائل ولا يحاسب... فمن كان منّا، وإن ارتكب المعاصي فهو ادمي ووطني وشهم وقديس وشهيد... ومن لم يكن منّا، وإن كان اشرف الشرفاء، فهو ازعر ومجرم وسارق.... وعميل... سؤال: إلام سيبقى بشير قديسا وشهيدا في "وجدان" "المسيحيين"؟؟؟ الجواب: الى ان يقتنع "المسلمون" ان رفيق الحريري كان لصا... ومتى يحصل هذا؟ الجواب: عندما يقتنع اليساريون ان اغلبية قادتهم كانوا (وما زالوا) لصوصا وراكبي موجات... ومتى اقتنعوا بذلك وجب وسهل عليهم ممارسة المساءلة والمحاسبة والزام المسؤول بأن يكون مسؤولا فعلا وان يعاني بالقانون من كل مشاكل المجتمع كحافز له على حلها>>> السبيل الوحيد للتغيير هو نشر ثقافة المساءلة والمحاسبة على كل الصعد
 
سبتمبر 17, 2011
أصوات: +0

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث: السبت, 30 يوليو 2011 18:51
 

مقالات أخرى للكاتب